سيد محمد طنطاوي

527

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه صلى اللَّه عليه وسلم وبينهم في المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد في العبادة ، والمقصود من ذلك المبالغة التامة في البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن عبادتهم الفاسدة ، وأنه صلى اللَّه عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا اللَّه - عز وجل - ، وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة . وقوله - تعالى - : * ( لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ ) * تذييل مؤكد لما قبله . والدين : يطلق بمعنى العقيدة التي يعتقدها الإنسان ويدين بها ، وبمعنى الملة التي تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها ، وبمعنى الحساب والجزاء . ومنه قولهم : دنت فلانا بما صنع ، أي : جازيته على صنيعه . واللفظ هنا شامل لكل ذلك ، أي : لكم - أيها الكافرون - دينكم وعقيدتكم التي تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين ، فضلا عن رسولهم ومرشدهم صلى اللَّه عليه وسلم ، ولى ديني وعقيدتي التي هي عقيدة التوحيد ، والتي بايعني عليها أتباعى المؤمنون ، وهي مقصورة علينا ، وأنتم محرومون منها ، وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لي . وقدم - سبحانه - المسند على المسند إليه ، لإفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل : لكم دينكم لا لغيركم ، ولى ديني لا لغيري واللَّه - تعالى - هو أحكم الحاكمين بيني وبينكم . وبذلك نرى السورة الكريمة ، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول إلى مهادنة النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وإلى الاستجابة لشيء من مطالبهم الفاسدة ، وإنما هو صلى اللَّه عليه وسلم برئ براءة تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .